نخبة من الأكاديميين

646

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الإسلامي هو استجرار عقائد العالم القديم واجتذابها وتطويرها طبقاً لروح الحضارة الإسلامية ( نقلًا عن فرانچسكو گابريلي ) . ( 6 ) يقول : الدكتور سيد حسين نصر في كتابه « العلم والحضارة في الإسلام » « في الحقيقة طب الإسلام هو مزيج من آراء طب اليونان لأبقراط ( Hippocrates ) ( القرنان الخامس والرابع قبل الميلاد ) وجالينوس ( Galen ) ( القرن الثاني للميلاد ) مع آراء ولَمحات من طب إيران والهند ( 7 ) . وبما أن الطب الإسلامي يرجع في جذوره إلى اليونان وإيران والهند ، إلا أنَّ هذه الجذور تطوّرت وترعرعت في فضاء الحضارة الإسلامية . ( 8 ) نعم ، لقد استفاد الطب الإسلامي من طب الحضارات القديمة ، وساعد بدوره على ازدهار الطب الأوروبي الحديث . وبعبارة أخرى هو مدين لليونان وإيران والهند ، غير أنه في المقابل دائن للطب الأوروبي ( 9 ) . وبدلالة ثوابت التاريخ أصبحت مبادئ الكنيسة الشرقية بمثابة الدين الرسمي في الإمبراطورية البيزنطية في بداية القرن الخامس للميلاد ، وبها صارت جميع الأمور ، ومنها الطب ، إلى سيطرة الكنائس ، ولذلك نرى ابتداءً من القرن الثامن وحتى القرن العاشر ، إلى أن أكثر الأطباء ينتمون إلى الكنيسة ، أو هم من الرهبان . وقد أدى انتشار هذه الظاهرة بين الرهبان إلى ردود فعل عكسية حتى أن رأس الكنيسة البابا « بنديكتوس » أمر رهبانَهُ بعدم دراسة الطب لاعتقاده بأن الله عزّ وجل ، هو الذي يشفي المرضى . ونتيجة لهذا التفكير ، أبعد قسم كبير من علم الطب اليوناني والروماني القديم عن الأوروبيين في الغرب خلال القرون الوسطى ، في حين سارعت الأديان الأخرى ، وبخاصة المسلمون ، إلى رعاية علم الطب ( 10 ) ونقله ثانية إلى الأوروبيين . وخلافاً للرأي السائد عند المؤرخين الأوروبيين ، فإن الإسلام لم يكن الوسيط فقط لانتقال العلوم القديمة من اليونان إلى أوروبا ، بل سعى إلى اعتلاء وتطوير تلك العلوم ، أو بالأحرى كان الإسلام وارثاً وسيطاً لليونان والمشرق القديم ، أي أن بدورها أصبحت وارثة للإسلام وللعالم القديم ( 11 ) في العلوم . يقول الدكتور كريستوفر مورجيلي في كتاب « زمن الجراحين » : إن أوروبا الغربية أخذت علومها من‌المراكز العلمية الإسلامية في بغداد والقاهرة ودمشق و . . . وبذلك انتقل علم الطب إلى أوروبا وامتد تأثيره على الطب الغربي لمدة تناهز السبعة قرون ( 12 ) . من جهته يقول الدكتور زرين‌كوب أستاذ التاريخ في جامعة طهران ، في كتابه « كارنامه إسلام » : « لقد استفاد الأُوروبيون من طب الإسلام حتى بعد ظهور عهد الرونيسانس ( عصر النهضة الأوروبية ) لمدة طويلة ، ففي عام 1588 م كان كتاب « القانون » لابن سينا وكتاب « المنصوري » للرازي ضمن المنهاج التعليمي بمدارس الطب في مدينة فرانكفورت الألمانية . أما في فرنسا وألمانيا فكان الأطباء يعملون وفاقاً للطب الإسلامي حتى القرن السابع عشر . وقد ظلت ترجمة كتاب « تذكرة الكحالين » للمؤلف « علي بن عيسى البغدادي » ( القرن الرابع ه - / العاشر م ) معمولًا بها في بريطانيا حتى القرن الثامن عشر ( 2 ) . يذكر الدكتور نصر في هذا المجال ، « أن مؤلفات الأطباء المسلمين كانت تُدَرّسَ بعناية خاصة في أوروبا الغربية . ولم يقتصر هذا الواقع على القرون الوسطى ، بل تعداه إلى القرن الحادي عشر